فخر الدين الرازي
277
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
كان اعتكافه باطلا لما كان ممنوعا ترك العمل بظاهر اللفظ إذا ترك النية فيبقى فيما عداه على الأصل واحتج المزني بصحة قول الشافعي رضي اللّه عنهما بأمور ثلاثة الأول : لو كان الاعتكاف يوجب الصوم لما صح في رمضان ، لأن الصوم الذي هو موجبة إما صوم رمضان وهو باطل لأنه واجب بسبب الشهر لا بسبب الاعتكاف ، أو صوم آخر سوى صوم رمضان ، وذلك ممتنع وحيث أجمعوا على أنه يصح في رمضان ، علمنا أن الصوم لا يوجبه الاعتكاف والثاني : أنه لو كان الاعتكاف لا يجوز إلا مقارنا بالصوم لخرج الصائم بالليل عن الاعتكاف لخروجه فيه عن الصوم ، ولما كان الأمر بخلاف ذلك ، علمنا أن الاعتكاف يجوز مفردا أبدا بدون الصوم والثالث : ما روى ابن عمر رضي اللّه عنه قال : يا رسول اللّه إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف اللّه ليلة فقال عليه الصلاة والسلام : « أوف بنذرك » ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليل . المسألة الخامسة : قال الشافعي رضي اللّه عنه : لا تقدير لزمان الاعتكاف فلو نذر اعتكاف / ساعة ينعقد ولو نذر أن يعتكف مطلقا يخرج عن نذره باعتكافه ساعة ، كما لو نذر أن يتصدق مطلقا تصدق بما شاء من قليل أو كثير ، ثم قال الشافعي رضي اللّه عنه : وأحب أن يعتكف يوما وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف ، فإن أبا حنيفة رضي اللّه عنه لا يجوز اعتكاف أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر ، ويخرج بعد غروب الشمس ، وحجة الشافعي رضي اللّه عنه أنه ليس تقدير الاعتكاف بمقدار معين من الزمان أولى من بعض ، فوجب ترك التقدير والرجوع إلى أقل ما لا بد منه ، وحجة أبي حنيفة رحمه اللّه أن الاعتكاف هو حبس النفس عليه ، وذلك لا يحصل في اللحظة الواحدة ، ولأن على هذا التقدير لا يتميز المعتكف عمن ينتظر الصلاة . أما قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : تِلْكَ لا يجوز أن يكون إشارة إلى حكم الاعتكاف لأن الحدود جمع ولم يذكر اللّه تعالى في الاعتكاف إلا حدا واحدا ، وهو تحريم المباشرة بل هو إشارة إلى كل ما تقدم في أول آية الصوم إلى هاهنا على ما سبق شرح مسائلها على التفصيل . المسألة الثانية : قال الليث : حد الشيء مقطعه ومنتهاه قال الأزهري : ومنه يقال للمحروم محدود لأنه ممنوع عن الرزق ويقال للبواب : حداد لأنه يمنع الناس من الدخول وحد الدار ما يمنع غيرها من الدخول فيها ، وحدود اللّه ما يمنع من مخالفتها والمتكلمون يسمون الكلام الجامع المانع : حدا ، وسمي الحديد : حديدا لما فيه من المنع ، وكذلك إحداد المرأة لأنها تمنع من الزينة إذا عرفت الاشتقاق فنقول : المراد من حدود اللّه محدوداته أي مقدوراته التي قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة . أما قوله تعالى : فَلا تَقْرَبُوها ففيه إشكالان الأول : أن قوله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إشارة إلى كل ما تقدم ، والأمور المتقدمة بعضها إباحة وبعضها حظر فكيف قال في الكل فَلا تَقْرَبُوها والثاني : أنه تعالى قال في آية أخرى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [ البقرة : 229 ] وقال في آية المواريث وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ [ النساء : 14 ] وقال هاهنا : فَلا تَقْرَبُوها فكيف الجمع بينهما ؟ والجواب عن السؤالين من وجوه : الأول : وهو الأحسن والأقوى أن من كان في طاعة اللّه والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق ، فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الضلال ، ثم بولغ في ذلك فنهى أن